بيت المقدس عبر التاريخ (1 Viewer)

milano112

Well-Known Member
بيت المقدس أرض الأنبياء المقدسة في تلك الليلة المباركة، ليلة السابع والعشرين من رجب الفرد، من عام الحزن، أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من أول مسجد وضع للناس إلى ثاني مسجد وضع للناس، حيث جمع الله له سائر الأنبياء يؤمهم في الصلاة.{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} الإسراء 1،
أسري به عليه سلام الله إلى الأرض التي ما تكاد تذكر في القرآن إلا واقترنت بالبركة أو بالتقديس، {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} المائدة 21، { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } الأعراف 137،{ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } الأنبياء 71،{ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين} الأنبياء 81،
هذه القداسة، إنما جاءت من ذلك الارتباط الوثيق لتكونا مهدا لرسالات الله تعالى، فقد أقام فيها الكثير من أنبياء الله، كلما هلك نبي خلفه نبي، من لدن إبراهيم الخليل عليه سلام الله إلى عيسى بن مريم عليه سلام الله، فطبقوا فيها شرع الله، مصداق ذلك ما روى أئمة الحديث واللفظ للبخاري في كتاب أحاديث الانبياء "حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ "فالأنبياء تسوس الناس بأحكام الشرع، فبيت المقدس مباركة بتطبيق شرع الله فيها على عباده.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }
فكل الرسل جاءت بالكتب ليقوم الناس بالقسط والعدل وفقا لمنهج الله تعالى، حتى جاءت شرذمة متغربة عدوة لدين الله، أو جاهلة بحدوده حولت قضية بيت المقدس إلى قضية وطن، وخصوا هذه الأرض بقاطنيها، ليصرفوا عنها بعدها الإسلامي، وبُعد أن الأرض لله تحكم بشرع الله أو تسيل الدماء دون ذلك، ولكن خابوا وخسروا، فإن بيت المقدس ملك لكل طفل وكل شيخ وكل امرأة وكل مسلم على وجه الأرض لا يملك التصرف فيه ولا المساومة عليه ولا التفاوض باسمه شرذمة من الخائنين لله ولرسوله ولا المنتفعين ولا المضبوعين بالغرب الكافر، وإنما تحرره جيوش الفاتحين لا زمرة المفاوضين المارقين الراكعين لأذقانهم أمام سلطان البيت الأبيض.
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين للمسلمين أن الأرض لله، تخضع لسلطان الإسلام، لتحكم بشرع الله، فوجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيوشه لفتح بيت المقدس، لتصبح أرضاً خراجية تعود ملكية رقبتها للأمة الإسلامية قاطبة،
إنّ فلسطين أرض لجميع المسلمين في كلّ أرجاء المعمورة ، وهي ليست ملكاً لأهلها أو ساكنيها من (الفلسطينيين)، ذلك لأن الإسلام قد جعلها أرضاً خراجية لا يملك رقبتها أحد، بل تكون ملكية رقبتها لعموم المسلمين حتى يوم القيامة، فقد قال الله تعالى فيها وفي أمثالها من الأراضي الخراجية :
- {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر 7 .
- ثم أضاف إلى هؤلاء غيرهم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر 9 .
- ثم زاد وأضاف غيرهم حتى شملت الآيات المسلمين جميعاً إلى يوم القيامة فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } الحشر 10 ...
وعليه فلا يجوز أن يكون التصرف فيها خاصاً بالفلسطينيين فقط حتى ولو كان تصرفهم بها موافقاً للحكم الشرعي، فما بالك إذا كان التصرف مخالفا لبديهيات الإسلام ، و خيانة عظمى وجريمة كبرى في حق أرض الإسراء والمعراج، وحق الفاتحين، وحق أهلها من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين .
وهذه البركة إنما تكون بربط هذه الأرض بالإسلام، بعبودية الله تعالى، مصداق ذلك ما روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن أبي ذَرٍّ رضيَ الله عنه قال: «قلتُ يا رسولَ الله أيُّ مسجدٍ وُضِعَ أول ؟ قال: المسجدُ الحرام. قلت: ثمَّ أيُّ ؟ قال: ثمَّ المسجدُ الأقصى. قلتُ: كم كان بينهما ؟ قال: أربعونَ. ثم قال: حيثُما أدركتكَ الصلاةُ فصلِّ والأرضُ لك مسجد».
ومن بركته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو لمن أتاه لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه يقول صلى الله عليه وسلم " إن سليمان بن داود عليه السلام لما فرغ من بنيان مسجد بيت المقدس سأل الله حكماً يصادف حكمه وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، ولا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما اثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة " . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حيان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .
لقد جاءت البشرى في بيت المقدس لإبراهيم الخليل وليعقوب بعد إذ فقد بصره، ونزلت فيه رحمات رب العالمين على زكريا وبشرته الملائكة بيحيى، وكلم الله تعالى موسى تكليما في أكناف بيت المقدس، وسخر لسليمان الريح عاصفة، وألان لداود الحديد، ، ودفن فيها من الأنبياء خلق كثير، من ذرية إبراهيم عليه السلام، وحملت في بيت المقدس وأكنافه مريم بنبي الله عيسى، الذي كلم الناس في المهد، وفيها نزلت عليه المائدة ومنها رفع إلى السماء، ومن قبل أنزل في أكنافه جام غضبه عمن حادوا عن شريعته من قوم لوط واتبعوا أهواءهم.
وأسرى الله بنبيه محمد عليه سلام الله إليه ومنه عرج إلى السموات العلى، ليفرض عليه الصلاة، وجعل له رب العالمين بيت المقدس قبلته الأولى، المسجد الأقصى، وهو ثالث الحرمين الشريفين، روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد ‏ ‏مسجد ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏ومسجد ‏ ‏محمد ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وبيت المقدس،
لقد أولى الإسلام بيت المقدس عناية خاصة، حيث وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيوشه بعد فتح دمشق الشام، نحو إيلياء، فحاصرها جمهرة غفيرة من خيار الصحابة، حتى طلب منهم أهلها الصلح على أن يقوم به أمير المؤمنين عمر، فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم، ليكون أحقر لهم، وأرغم لأنوفهم، وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم، ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال علي، ولم يهو ما قال عثمان، وسار بالجيوش نحوهم، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، فترجل أبو عبيدة وترجل عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة، فكف أبو عبيدة فكف عمر.
ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ويقال أنه لبى حين دخل بيت المقدس، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، فقرأ في الأولى بسورة ص، وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس، وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة، وهى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب المشبه لهم، فجعلوا يلقون على قبره القمامة، فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة، وانسحب الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك، وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، قال لهم إنكم لخليق أن تُقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى.
فهذا أمير الجيش أبو عبيدة يهم بتقبيل يد أمير المؤمنين على هذا الفتح المبين لهذه الأرض المباركة، وهذا أمير المؤمنين يهم بتقبيل أرجل أمير الجيش الفاتح،
ومن ثم يقرأ في الصلاة بسورة ص وما فيها من ذكر قصة داود عليه السلام إذ جعله الله خليفة ليحكم بين الناس بالعدل بما أراه الله، وسورة الإسراء وما فيها من ذكر لفتح هذه الأرض الطيبة على أيدي عباد الله الذين يبعثهم الله ليطهروا هذا المسجد وهذه الأرض المباركة من رجس أن تحكم بغير شرع الله.
لقد سالت دماء جمع من خيرة الصحابة على هذه الأرض المقدسة، ليضموها إلى سلطان الإسلام، لتخضع لشرع الله ثانية بعد أن حكمتها أمم كثيرة بغير شرع الله بعد أن كانت لا تخلو من نبي يحكم فيها بشرع الله، لذا كان هذا الفتح العظيم عظيما بأن أعادها لرحاب العدل الذي أمر الله نبيه داود عليه السلام أن يقيمه فيها: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}
ولا عدل إلا باتباع سبيل الله في الحكم بما أنزل.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
لقد واجهت الأمة الاسلامية هجمات شرسة من قبل الأمم المختلفة، فكانت تصارع الأرثوذوكس (البيزنطيين) في الشام، ومن ثم دخل الكاثوليك الأوروبيون على الخط بحروبهم الصليبية، ومن ثم بعد حين دخل البروتوستنت في دائرة الحروب الصليبية على هذه الأمة، وكانت بيت المقدس دوما محل النزاع والصراع، وسالت دماء مئات الآلاف من أبناء هذه الأمة المباركة، من المسلمين من شتى بقاع الأرض، من سكان بيت المقدس والشام ومصر والأتراك ومن قبلهم الصحابة من أهل الجزيرة، وغيرهم دفاعا عن هذه الأرض المقدسة كي لا تحكم بغير الإسلام، فحررها صلاح الدين الأيوبي في 27 رجب من عام 583هـ، في ذكرى إسراء خير خلق الله لهذه الأرض الطيبة، وهو نفس التاريخ الذي أسقط فيه الغرب الكافر بمعونة خونة العرب والأتراك الخلافة في عاصمتها إسطمبول في السابع والعشرين من رجب لعام 1342 هـ.
لقد كان تحرير بيت المقدس العامل المحرك لجند آل زنكي والأيوبيين، دفعهم لتوحيد بلاد الشام مع مصر والعراق، ومن ثم تمكن المسلمون من تحرير بيت المقدس وأكنافه من الصليبيين،
وتخلل ذلك وأعقبه دخول المغول في حروب طاحنة مع حماة الإسلام من المماليك في عين جالوت، ومواقع كثيرة في هذه المرحلة الهجمة الشرسة التي جاءت من المغول و التتار التي استهدفت الخلافة العباسية التي تشكّل الحصن الواقي الذي يذود عن المسلمين و عقائدهم و عن أمتهم و مقدساتهم ، و لقد قيّض الله لهذه المرحلة قطز و بيبرس ومحمد بن قلوون و الأشرف خليل يكسروا غزوة المغول و التتار ، لتتحرر ليس القدس فحسب بل بلاد الشام و شمال العراق و شبه جزيرة الأناضول ، و تنكسّر شوكة أبناء أوروبا في آخر معقل في عكا سنة 692 هـ و بعدها أصبحت الشام كلها والعراق و بقية العالم الإسلامي و الجزء الجنوبي من شبه جزيرة الأناضول و شرقها ، ومصر والشمال الأفريقي أصبحت تشكّل جزءاً من الكيان السياسي لدولة الخلافة العثمانية التي امتدت حدودها السياسية لتشمل إيران و العراق و خراسان و شبه الجزيرة العربية و شبه جزيرة الأناضول .
فكما ترى دوما كان الصراع حول بيت المقدس دافعا لأعدائهم لتمزيقهم دويلات وكيانات لا تقوى على شيء، وكان تحريرها دافعا للمسلمين لتوحيد كلمتهم وكان تحريرها مؤذنا للمسلمين دوما بتوحيد بلادهم تحت راية الخلافة، وفي هذا عبرة لمعتبر.

ولو أردنا أن نستعرض تاريخ بيت المقدس في العصر الحديث، لوجدنا أنها ما سقطت لقمة سائغة لشرذمة من عصابات الخلق، على يد الإنجليز ومن ثم أسلموها لليهود يعيثون فيها الإفساد تلو الإفساد إلا بعد أن اكتملت حلقة التآمر على الخلافة العثمانية التي وقفت سدا منيعا طوال قرون تحول بين الغرب وبين عودته لاستعمار هذه البلاد وتغيير نظام الحكم فيها من النظام الإسلامي إلى النظام الغربي،
- لقد بدأت قضية فلسطين تتحرك دولياً في العصر الحديث منذ عهد الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله، حيث سعى دهاقنة يهود بالتعاون مع دول الكـفـر آنذاك، وبخاصة بريطانيا ليجدوا لليهود موطئاً في فلسطين محاولين أن يستغلوا الأزمة المالية لدولة الخـلافة العثمانية، فعرض هرتزل كبير يهـود في عام 1901م دفـع الأمـوالٍ لخـزينة الدولة مقابل ذلك، فرفض الخليفة عبد الحميد مقابلته ، وكان جواب الخليفة المشهور الموجه للصدر الأعظم لينقله لهرتزل جواباً على عرضه المالي المغري : وقد كتب التاريخ بحروف من ذهب هذا الرد الحازم لخليفة المسلمين السلطان عبد الحميد الثاني على يهود ومقترحاتهم فقال رحمه الله رحمة واسعة:
( انصحوا الدكتور هرتسل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا استطيع ان اتخلى عن شبر واحد من ارض فلسطين.. فهي ليس ملك يميني.. بل ملك الامة الاسلامية.. لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الارض ورواها بدمه.. فليحتفظ اليهود بملايينهم.. واذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك ان يأخذوا فلسطين بلا ثمن.. أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من ان ارى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة وهذا امر لا يكون اني لا استطيع الموافقة على تشريح اجسادنا ونحن على قيد الحياة).
وقد صـدق توقعه رحمه الله، فبعـد أن قُضي على الخـلافة جاء من الحكام العملاء في بلاد المسلمين من مكّن اليهود من احتلال فلسطين، بل والهيمنة على غير فلسطين.
- وقد استمرت أطماع الكفار الحاقدين على الإسلام ودرته فلسطين دون انقطاع ، منذ التحرير الصلاحي الذي قضى على رجس الاحتلال الصليبي ، حتى إذا دخلوا فلسطين في 11/12 1917م في الحرب العالمية الأولى قال قائد جيش الحلفاء الجنرال الإنجليزي ألنبي: " الآن انتهت الحروب الصليبية " معتبراً أن الخـلافة العثمانية ليست إلا استمرارا لنفس السلطان والحكم الإسلامي الذي دحر احتلال أسلافه من الصليبيين قبل ثمانية قرون، وأن الإنجليز بهدمهم للخـلافة واحتلالهم لفلسطين أعادوا الصليبيين مرة أخرى إلى بلاد المسلمين ، ممنياً نفسه أن تكون هذه المعركة نهاية مطاف الحروب الصليبية.
- وفي يوم 2/11/1917م من السنة نفسها أعطى الإنجليز وعداً سمي ( بوعد بلفور ) على اسم وزير خارجيتهم آنذاك، تتعهد بريطانيا فيه أن تمكّن اليهود من احتلال فلسطين وإنشاء دولة لهم فيها.
- وعند القضاء على دولة الخلافة العثمانية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، أنشأت الدول المنتصرة (عصبةَ الأمم) التي فرضت بدورها (صك الانتداب) البريطاني على فلسطين في عام 1922م، ذلك الصكّ الذي ترجمت فيه بريطانيا تنفيذ ( وعد بلفور ) تنفيذاً عملياً بفرضه أمراً واقعاً جديداً في فلسطين .
- وقد توالت بعد ذلك سلسلة من المحطات التاريخية على قضية فلسطين , فجاء تشجيع الإنجليز لهجرة يهود إلى فلسطين , ليتبعه عام 1947م صدور قرار هيئة المم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم أرض فلسطين لدولتين يهودية وعربية ، ثم أعقبت ذلك مسرحية حرب عام 1948م المهزلة ، التي هزمت فيها جيوش ست دول عربية آنذاك أمام جيش كيان يهود الهزيل, ثم جاء اعلان الاستقلال المزعوم لهذا الكيان المسخ الذي تلاه تسابق الدول الكبرى النصرانية للاعتراف به مباشرة .
- ثم جاءت حرب عام 1956م , التي تبعتها سريعاً مسخرة ما يسمى بحرب الأيام الستة في عام 1967م .

- ثم جاء بعد ذلك مؤتمر مدريد ، فأتبعه اتفاق أوسلو ، ثم اتفاقية وادي عربة, ثم واي ريفر, وخرائط الطرق المتعددة .

- وما بين هذا التنازل وذاك عقدت قمم عربية كثيرة, بدأت قراراتها بضرورة مكافحة الهجرة اليهودية في قمة أنشاص عام 1946م , ثم لاءات الخرطوم الثلاث, فاعتراف بحصر التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية , لتختتم مسيرة القمم العربية في بيروت باعتراف كامل بكيان يهود مع دعوة للتطبيع مقابل ما بقي من الضفة وغزة...
نعم ... هذه هي قضية فلسطين منذ هدم الخلافة الإسلامية ، أحداث تدافعها أحداث ... مؤامرات تتلوها مؤامرات ... نكبات تتلوها نكسات... مشاريع دولية حثيثة لحلّ مشكلة اليهود بتثبيت كيانهم في فلسطين على حساب وجود أهلها المرتبط بجذورها وجذورهم الإسلامية ... هذا وغيره الكثير ، والكل يعلم أنّ الدور المركزي الأساسي المحرك والمقرّر في كل هذا ليس إلا الدول الكبرى, وما الأنظمة العربية في ذلك كله إلا بيادق شطرنج تحركها الدول الكبرى متى شاءت وكيفما شاءت وأنّما شاءت ... انقلبت كل لاءات حكام الخسة والعار إلى نعم ... وتحولت كل الثورات بتآمر الحكام إلى عدم ... فلبئست البداية بدايتهم بعد هدمهم للخلافة وتآمرهم على فلسطين ، ولبئست الخاتمة خاتمة كلّ من سلّم وتآمر وركع وخنع منهم عند عودة دولة الخلافة لتحرير فلسطين ...
 

سارة

Well-Known Member
يعطيك العافية على الطرح الرائع
 
أعلى