الغزو التبشيري والسياسي والعسكري

milano112

New Member
قال تعالى :(وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) [إبراهيم : 46] .
منذ أن إنبثق فجر الإسلام والصراع العنيف دائر على أشده بين أفكار الإسلام وأفكار الكفر ، وبين المسلمين والكفار ، وقد بدأ أولا فكريا بحتا منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحتى قيام الدولة الإسلامية في المدينة ، ومنذ ذلك الحين ضم الرسول صلى الله عليه وسلم ، الصراع الدموي إلى جانب الصراع الفكري ، ونزلت آيات الجهاد ، وأستمر الصراع كذلك ، وسيظل على هذا النهج على قيام الساعة ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ومن هنا كان الكفر عدوا للإسلام ، وكان الكفار أعداء المسلمين ، ما وجد في الدنيا إسلام وكفر ، ومسلمون وكفار وإلى يوم يبعثون ، وهذه حقيقة قطعية ودائمية ، قال تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) البقرة 217 , وقال تعالى : (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) التوبة : 29 ، وقال صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) صحيح البخاري .
ونتيجة لهذا العداء المتأصل في نفوس أهل الباطل تجاه الإسلام والمسلمين ، قامت دول أوروبا مع يهود بالحروب الصليبية الأولى التي فشلت في إحتلال بلاد المسلمين والقضاء على دولتهم ووحدتهم ، فقامت بحروب صليبة أخرى ومن طراز آخر وهو التبشير ، وما كان سبب هذه الحروب إلا قصد محو الإسلام وأهله ، والقضاء على دولة الإسلام ، وكانت حركتهم هذه على محورين :-
المحور الأول : بعث الحركات التبشيرية التي تهدف إلى التبشير بالديانة النصرانية ، وإلى تشكيك المسملمين في عقيدتهم ودينهم ، وإستأصاله من قلوبهم وعقولهم ، وبذلت أوروبا في ذلك الأموال الطالئلة والجهود الضخمة وبالرغم من انهم أنفقوا هذه الاموال وما يزالون ولكنهم لن ينالوا مرادهم بإذن الله ، ولسوف يعود المسلمون إلى دينهم ، وسيذهب عمل المبشرين حسرة عليهم ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) [الأنفال : 36].
المحور الثاني : القضاء على دولة الإسلام ، وتشويه أفكار المسلمين ، وتسفيه عقولهم وأحلامهم بالعمل ضمن مسارين ، أولهما : فصل العرب عن الدولة الإسلامية العثمانية للإجهاز عليها ، وأطلقت عليها إسم تركيا لإثارة النعرة العنصرية والقومية ، وثانيهما : إبعاد المسلمين عن الرابطة الحقيقية التي لم يكونوا يعرفون غيرها ، ألا وهي رابطة العقيدة الإسلامية وإستبدالها بروابط أخرى كالقومية والوطنية .
وقد إستخدموا ولا زالوا أساليب ووسائل عديدة ومتنوعة لهذا الغزو التبشيري الفكري والسياسي ، والذي كان مدعوما في أحيان كثيرة بالغزو العسكري ، كما حصل في مرحلة الإستعمار الأوروبي بعد هدم دولة الإسلام ، وما يحدث الآن من إحتلال كل من أفغانستان وفلسطين والعراق وغيرها .
وهذا ليس غريبا عليهم فطريقة حمل المبدأ الرأسمالي الذي يعتنقونه إلى العالم هو الإستعمار ، والإستعمار بهذا المفهوم الشائع اليوم هو فرض هيمنة الأقوياء على الضعفاء بهدف الإستغلال ، وهذه الهيمنة تكون عسكرية او سياسية أو إقتصادية أو فكرية .
وأسوأ أنواع الإستعمار ، هو الإستعمار الفكري ، وهو يستخدمه ولا زال بصوره المختلفة لبسط نفوذ مبدأه الفكري الرأسمالي على أبناء المسلمين ، وقد ظهر ذلك من خلال مهاجمة الفكر الإسلامي مباشرة ، مثل : هاجم تعدد الزوجات وقال عنها همجية ، هاجم الطلاق وقال عنه غدر للمرأة وتقويض للأسرة ، وهاجم نظام الحكم وقال أنه دكتاتورية وتسلط ، هاجم الجهاد وقال أنه عدوان على الشعوب وسفك دماء الناس ، وهاجم الحدود الشرعية وقال عن بعضها رجعية ، وهاجمه في أحيان أخرى مداورة وتظليلا مستخدما أسلوب " الإستحمار " مع المغفلين من المسلمين ، وهذا يظهر على شكلين واضحي المعالم وفي الوقت الحالي ، احدهما : بتحريك الأذهان مباشرة إلى الجهل والغفلة ومن ثم إلى الإنحراف والضلال ، كالقول أن الديمقراطية من الإسلام ، والإسلام يدعو إلى الحريات ، والجهاد يستخدم للدفاع عن النفس ،.. إلخ ، وثانيهما : بإلهاء الأذهان عن المطالبة بالحقوق الأساسية الكبيرة بالمطالبة بالحقوق الجزئية الفرعية ، كالمطالبة برغيف الخبز عوضا عن هدم النظام الفاسد الذي سببه ، أو جعل قضية المسلمين المصيرية تحرير فلسطين عوضا عن تحكيم شرع الله وتطبيقه في جميع بلاد المسلمين .
وبهدمهم لدولة الإسلام ، إستفحل إستعمارهم الفكري والسياسي ومن الأمثلة على أشكال الإستعمار السياسي للمسلمين ، والتي تظهر جليا :-
-
وضعت النظم السياسية في كافة البلاد الإسلامية على أساس فصل الدين عن الحياة أو الدولة ، أو فصل الدين عن السياسة ، وهي قائمة على ذلك .
- نسفت أسس القواعد الأساسية في الإسلام المنبثقة عن العقيدة الإسلامية ، وأستبدلت مكانها المفاهيم السياسية الإستعمارية المنبثقة من حضارة الغرب الرأسمالي ، من مثل إستيدال الجهاد بالمفاوضات ، قاعدة خذ وطالب ، إصلح الفرد يصلح المجتمع ، لا أحزاب في الدين ، فصل الدين عن السياسة ، الإصلاح الترقيعي ، إستخدام فقه الواقع بإستخدام الأدلة العقلية بدل الدليل الشرعي ، وأمثالها كثير .

- جعلت من رجال السياسة مركز تنبههم الفردي ومصالحهم الفردية ، ومركز تنبههم العام الدول الأجنبية ، وبذلك فقدوا مركز التنبه الطبيعي ، وهو المبدأ الإسلامي .
- جعلت من رجال السياسة أدوات تركيز وتثبيت لسياساتهم من خلال الدجل والكذب والمراوغة على إعتبار أن ذلك هو السياسة ، وبدل أن يستعينوا بالشعب على الكافر المستعمر إستعانوا بالكافر المستعمر على الأمة ، وأصبحت حركتهم مع الواقع يدورون حيث دار فأتخذوا الرضا به او التأقلم معه على فساده "شطارة" ، وكان ذلك حجة عندهم للقيام بما حرم الله ، وسكوت عن ما يغضب الله ، وعدم وضع الحكم الشرعي موضع التطبيق والتنفيذ ، والذي به تسيّر الأعمال السياسية .
- أصبحت الحركات الساسية عقيمة ومظطربة ومتناقضة أوصلت أصحابها إلى الجمود واليأس والإستلام فسادت الأفكار السياسية المغلوطة والآراء السياسية الغير مستندة إلى الحكم الشرعي وهذا أدى إلى قيام حركات ليست من الإسلام في شيء ، كالقومية والوطنية والإشتراكية ، وحتى قيام حركات إسلامية تنادي بإسم الدين الروحي والأخلاق والإرشاد والوعظ والإصلاح والترقيع ، فسارت هذه الحركات وفق مفاهيم الحضارة الغربية متأثرة بهذا الغزو التبشيري ، ومن ثم وجهت الأمة إلى المفاهيم الغربية عن الحياة برمتها ، مبعدة وجهة نظر الإسلام عن الحياة .
- نفست هذه الحركات عواطف الامة المتأججة إلى ما لا ينفع ولا يأتي بخير ، أو إلى غير نتيجة ، فكانت حركتها كحركة اليائس أو المذبوح ، مما مكن الإستعمار السياسي من تركيز مفاهيمه وبقاءه و هذا أنجح الغزو التبشيري أيما نجاح .
ومن الصور التي نراها في الواقع على ذلك ، ان مهاجمة عقيدة الإسلام ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعالج بيوم غضب أو طلب إعتذار ، فهل هذا ما يريده الإسلام في معالجة مثل هذه القضايا ؟ .
من كل هذا هل يستوي عدل السلام ودين الله الذي أنزله رحمة للعالمين هدى وسعادة لها بحمله بالدعوة والجهاد ، مع المبدأ الرأسمالي صنيعة البشر العاجز الناقص المحدود المحتاج الذي يحمل بالقهر والإذلال والإستعمار ! .
قال تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد : 16
 
أعلى